Cherreads

Chapter 14 - بوابة الشرق

هناك مدن لا تُقيم لتُسكن… بل لتُقرّر من يُسمح له بالعبور.)

بعد شهرٍ كامل من السير المتواصل، ظهر أمامهم ضوء لم يألفوه.

لم يكن ضوء نار، ولا وهج شمسٍ عند الغروب،

بل ضوء مدينة.

تمدّدت مدينة العبور فوق تلّين متقابلين، كذراعين من طينٍ وحجرٍ يفتحان الطريق نحو الشرق. بيوتها متراصّة، أسوارها منخفضة لكنها ممتدّة، ونخيلها يعلو فوقها كحرّاس صامتين. من بعيد، كانت تبدو كأنها لا تنتمي للغرب ولا للشرق… بل تقف بينهما شاهدةً على كل من مرّ.

كان التجّار يقولون دائمًا:

«من لم يمرّ من العبور… لم يعرف الطريق.»

وحين رأى الرجال الحركة عند بواباتها، والدواب التي تملأ الطرقات، والغبار المختلط برائحة التوابل، أدركوا أنهم دخلوا عالمًا آخر؛ عالم لا يُقاس بالقوة، بل بالدهاء والانتباه.

قال أرام بهدوء، وهو يراقب الأسوار:

«لن ندخل معًا.

ندخل مجموعات صغيرة، ولا نلتقي إلا عند السوق الكبير قبل الغروب.

المدينة التي ترى كل شيء… لا يجب أن ترى الكثير دفعة واحدة.»

لم يعترض أحد.

كان القرار منطقيًا… وحاسمًا.

دخل أرام مع نَجّار أولًا، كرجلين مسافرين لا يلفتان الانتباه.

وبعد ساعة، دخلت سِهام مع مارانا وريمان.

ثم نِبالْيان وتافار.

وأخيرًا سولان وكارِم.

وكانت مدينة العبور تضج بالحياة.

صوت التجار يتصادم مع صوت الحديد في الحدّادات.

نداءات النساء وهنّ يبعن الخبز الساخن تختلط برائحة الكمّون والزعفران.

القوافل تدخل… وأخرى تخرج.

الأخبار تُباع كما تُباع السلع.

مدينة لا تنام، لأن النوم فيها قد يعني ضياع فرصة.

كان سوق العبور من أعظم أسواق المنطقة.

رأى أرام صفوفًا من:

بائعي العطور القادمة من الجنوب،صانعي السيوف والرماح،تجّار الملح،بائعي الأقمشة الملوّنة،صانعي السلال،ورعاة الإبل الذين جاءت جمالهم من عمق الصحراء.

كل شيء يتحرّك:

البشر…

الحيوانات…

المال…

والأسرار.

جلس أرام ونَجّار في دكّان صغير على أطراف السوق.

كان صاحبه شيخًا طاعنًا في السن، لحيته بيضاء كثيفة، ووجهه مليء بخطوط تشبه خرائط الصحارى. كان يرتشف الشاي ببطء، وكأنه يزن الزمن في فمه.

نظر إليهما طويلًا، ثم قال بابتسامة خفيفة:

«أنتم لستم من هنا… الجبال لا تزال في أكتافكم.»

قال أرام دون إطالة:

«نريد أن نسير شرقًا.»

ضحك الشيخ، ضحكة قصيرة يعرفها من رأى كثيرين يجرّبون حظهم:

«إذن تبحثون عن النجاة.

من يسير شرقًا بلا دليل… يضيع قبل أن يرى نصف الصحراء.»

أشار بعصاه نحو طرف السوق، حيث وقف رجل بجانب مجموعة من الجمال:

«ذلك الرجل… اسمه أورغُس.

يعرف الصحراء كما يعرف الحبل يد صاحبه.

قاد قوافل كثيرة، وما عاد منها إلا وهو في المقدمة.

إن أردتم عبور الشرق… فخذوه معكم.

وخذوا الجمال كذلك.»

سأل أرام:

«كم نحتاج؟»

أجاب الشيخ بلا تردّد:

«ثمانية جمال على الأقل إن كنتم أكثر من عشرة.

والماء… تذكّر هذا…

الماء بعد منتصف الطريق أثمن من الذهب.»

شكره أرام، وغادر مع نَجّار.

في أماكن أخرى من السوق، كانت المجموعة تعمل بصمتٍ متقن:

نِبالْيان وتافار

اشتريا أوعية ماء متينة، وسكاكين صغيرة، وحبالًا إضافية.

سولان وكارِم

وقفا عند متجر الحبال الثقيلة. اختار سولان حبالًا لعبور الصخور، بينما اشترى كارِم زيوتًا قابلة للاشتعال، وعلبًا محكمة الإغلاق.

سِهام

تنقّلت بين الأكشاك بخفة، تساوم، تشتري، وتجمع الأخبار عن القوافل المقبلة، ومن يراقب الطرق.

مارانا

ذهبت إلى سوق الأعشاب، اشترت أوراقًا نادرة لعلاج الحمى ولسعات العقارب، وجذورًا تقوّي الجسد على تحمّل الحرّ.

أما ريمان…

فجلس في قلب السوق، يرسم الناس على لوحه الصغير.

لم يلتفت إليه أحد…

وهذا كان أعظم ما يملكه.

مع اقتراب الغروب، اجتمعوا قرب قبة السوق.

وهناك… ظهر رجل طويل، أسمر الجلد، ملامحه صقلتها الشمس.

عيناه زرقاوان على غير عادة أهل هذه البلاد.

كان يقف بجانب خمسة جمال ضخمة، يربت على رقابها كما يُربّت على رفاق قدامى.

قال بصوت عميق:

«قيل لي إنكم تبحثون عن دليل للصحراء.»

قال أرام:

«هل أنت أورغُس؟»

ابتسم الرجل ابتسامة هادئة:

«إن كان الطريق يعرفني… فلا حاجة لأن يعرفني الناس.»

سأله أرام:

«كم تريد أجرًا؟»

أجاب أورغُس دون تردد:

«لا آخذ مالًا.

آخذ الرفقة.

إن كانت رحلتكم تستحق… فأنا رجلها.»

ساد صمت قصير.

ثم قال أرام بثبات:

«رحلتنا طويلة… وتستحق.»

ربت أورغُس على أحد الجمال:

«إذن نتحرك عند الفجر.

الصحراء لا تنتظر أحدًا…

ولا تحب المتأخرين.»

وفي تلك الليلة، أدرك أرام أن الطريق تغيّر.

لم يعد طريق جبال،

ولا قرى،

ولا كمائن.

لقد وقفوا عند بوابة الشرق.

ومن بعدها…

لن تُقاس الرحلة بالمسافة،

بل بالنجاة.

More Chapters