Cherreads

Chapter 16 - بوابة الرمال

حين تبتلع الأرض أسماء المدن، وتبدأ الصحراء بكتابة الرجال من جديد)

مع أول خيطٍ من ضوء الشمس، غادرت قافلة أرام مدينة العبور بصمتٍ مقصود، كأنهم ينسلون من حلمٍ لم يكتمل. لم تُسمَع أصوات وداع، ولم تلتفت رؤوسٌ إلى الخلف. فكل من سار في هذا الطريق يعرف أن الالتفات ترفٌ لا تملكه القوافل التي تمضي نحو الشرق.

كانت الجِمال تمشي بخطى ثابتة، تهزّ أعناقها بإيقاعٍ بطيء، والجلود المشدودة على ظهورها تئنّ أنينًا خفيفًا مع كل خطوة. الريح حملت رائحة الرمال القديمة؛ رائحة لا تشبه رائحة أرضٍ مأهولة، بل رائحة زمنٍ مهجور لم تلمسه قدم بشر منذ أجيال. ورغم أن خطر المدينة قد تلاشى خلف الأسوار، فإن الصحراء أمامهم لم تكن أقل دهاءً… فهي لا تهجم، بل تنتظر.

ساروا ساعات طويلة بلا توقف. ومع ارتفاع الشمس، بدأت معالم مدينة العبور تتلاشى شيئًا فشيئًا، تتحول إلى كتلة باهتة خلف ضباب الصباح، ثم إلى ذكرى بلا ملامح. عندها فقط، شعر أرام أن الطريق قد أغلق خلفهم فعلًا.

بعد أيام قليلة، اختفت كل إشارة إلى وجود بشري دائم. لم تعد هناك أبراج، ولا آثار عجلات، ولا حجارة مصطفّة عمدًا. فقط صحراء ممتدة بلا نهاية، تتغير وجوهها كما تتغير أمزجة الرجال.

في بعض الأيام، كان الغبار يشتد فجأة، يعلو من الأرض كستارٍ كثيف، يخنق الأنفاس ويحوّل الشمس إلى قرص شاحب خلف سماء صفراء. كانت الأصوات تخفت، والرجال يمشون أقرب لبعضهم، لا لأنهم خائفون… بل لأن الصحراء تُشعرك بأنك إن ابتعدت خطوة واحدة، قد تختفي.

وفي أيام أخرى، كانت الأرض تخفّ قسوتها قليلًا. تظهر شجيرات قصيرة متفرقة، شاحبة لكنها حيّة، وتمرّ طيور عالية في السماء، لا تتوقف ولا تلتفت، كأنها تعرف أن هذا المكان ليس للراحة. في الليل، كان النسيم يصبح باردًا على غير المتوقع، يمرّ فوق الوجوه المتعبة كيدٍ خفية تمسح العرق وتترك القلق.

أورغُس كان يقود القافلة كمن يسير داخل خريطة محفوظة في صدره. يعرف متى يأمر بالتوقف قبل أن تنهك الجمال، ومتى يعجّل المسير قبل أن تتشكّل العاصفة. كان يضرب الرمل بعصاه أحيانًا، يضع أذنه قرب الأرض، أو يشمّ الهواء كما يشمّ الصياد أثر فريسته. وحين يشير إلى موضع معين، كانوا يحفرون قليلًا، فتظهر مياه باردة مدفونة، كأن الأرض تخبئ رحمَتها في أعماقها ولا تمنحها إلا لمن يعرف كيف يطلب.

وفي أحد الأيام، لاحظوا من بعيد ظلالًا متحركة على خط الأفق. قوافل صغيرة من الصيادين، مسافرون يقودون حميرًا محمّلة ببضائع بسيطة، رجال يقطعون الصحراء بحثًا عن رزق أو نجاة. كانوا بعيدين بما يكفي ألا يسمعوا أصواتهم، لكن وجودهم وحده كسر وهم الفراغ. أدركت المجموعة حينها أن الصحراء ليست خالية… بل انتقائية.

مرّت ثلاثة أسابيع كاملة، تتابعت فيها المشاهد كأنها اختبار صامت:

غبار يخنق الحلق،

حرارة تُرهق الجلود،

ليالٍ باردة تجعل النوم معركة،

ومرتفعات رملية ترتفع فجأة ثم تختفي، توهم المسافر أن الأرض نفسها تتنفس.

ثم، بعد كل هذا التعب…

ظهرت سَدارا.

بدت القرية من بعيد كسرابٍ أول الأمر، ثم أخذت تتشكل ببطء حتى صارت حقيقة قائمة. بيوت طينية متقاربة، نخيل متناثر، دخان يرتفع بخفّة، وأصوات بعيدة تشبه همهمة الحياة. كانت سدارا أشبه بواحةٍ بشرية وسط عالمٍ لا يعرف إلا الصمت.

عُرفت سدارا بين القوافل بأنها أول بوابة حقيقية للشرق. من يصلها من الغرب يُعدّ ناجيًا، ومن يغادرها شرقًا يُعدّ مغامرًا. ورغم بساطتها، كانت تعج بالحركة:

أكشاك من الجلد المدبوغ،

أوانٍ خزفية ملوّنة،

توابل نفاذة تُشمّ قبل أن تُرى،

بهارات تأتي من أقصى الشرق، كأنها تحمل وعدًا بطريقٍ أطول.

اشتهرت سدارا بسوق الجلود الأكبر في المنطقة. هنا تُصنع الدروع الجلدية التي تتحمل حرّ الصحراء، والسروج التي لا تجرح ظهر الفرس، والحقائب الثقيلة، وأغلفة السيوف التي تحمي الحديد من الرمل. ولأنها تقع على الحدّ الفاصل بين العالَمين، كانت تُحسب على الشرق لا الغرب، ومع ذلك يشعر كل من يدخلها بشيء نادر في هذه البلاد: الأمان. فإراقة الدم هنا محرّمة بعُرف قديم، لا يحتاج إلى حراس ليُنفّذ.

حين دخلها أرام وجماعته، شعروا كأنهم عادوا إلى الحياة بعد غياب طويل. استأجروا غرفًا صغيرة، تركوا الجمال تستريح، وتفرّقوا في السوق. وَبار، فرس أرام، كان يسير خلفه بوقارٍ لافت، عضلاته مشدودة، وعيناه يقظتان، فشدّ أنظار أهل الخيل كما تشدّ النار الحطب.

وكان وبار هو السبب.

وقف رجلان قرب إسطبل الخيل، يرتديان ثيابًا فضفاضة تميل إلى لون الرمل، وعلى رأسيهما أغطية خفيفة تليق بأبناء الصحراء. كانت حركاتهما سريعة، متوازنة، لا تشبه حركة التجار أو الرعاة. اقتربا من أرام، وراحا يتأملان وبار بإعجابٍ صريح.

قال أحدهما بصوتٍ قوي:

— هذا الفرس… ليس من خيول الصحراء ولا من خيول الشمال.

دمّه من سلالة نادرة.

أجاب أرام بابتسامة خفيفة:

— هو صديقي قبل أن يكون فرسي.

ضحك الثاني وقال:

— وهل يختار الفرس صاحبه؟

يبدو أنك من القلّة الذين تختارهم الخيل.

جلس الأربعة قرب سقاية الخيل، وتبادلوا الحديث بلا تكلّف. عرّف الرجلان نفسيهما:

سامِر وقَيدان، من أبناء الشرق، مشهوران بمهارتهما في ركوب الخيل. قيل إنهما يبدّلان اتجاه السهم أثناء العدو، وإن أحدهما يستطيع قطع عشرة أميال قبل أن يلمس الأرض ثانية.

قال سامر:

— سمعنا من التجار أنكم متجهون شرقًا… نحو سبأ.

نظر قيدان مباشرة إلى أرام، وقال:

— نحن نحب الطرق التي لا يعود منها الجميع.

إن كان طريقك خطِرًا… فنحن نفضّل أن نكون فيه.

سألهم أرام بهدوء:

— ولماذا تنضمون إلى غرباء؟

رد سامر وهو ينظر إلى وبار:

— لأن الرجل الذي يحترم فرسه… لا يخون من يسير معه.

وأضاف قيدان:

— ولأننا نرى فيك شيئًا مختلفًا.

لست مسافرًا فقط… بل رجلًا فقد شيئًا كبيرًا، ويبحث عن شيءٍ أكبر.

نظر أرام إلى نجّار. لم يحتج الأخير إلى كلمات، اكتفى بهزّة رأسٍ صامتة.

قال أرام:

— إن انضممتما إلينا، فلن تكون رحلة سهلة.

سنقاتل… سنعبر صحراء… سنواجه قبائل لا نعرفها.

وقد لا نعود.

ابتسم سامر ابتسامة رجلٍ وجد ما كان يبحث عنه:

— وما قيمة حياةٍ لا نضعها يومًا على المحك؟

وهكذا…

انضم سامر وقَيدان إلى القافلة.

ومع وجودهما، بدأت المجموعة تشعر بأنها لم تعد مجرد رفقة عابرة، بل فرقة حقيقية؛ كل واحد يحمل مهارة، وكل واحد يراهن على طريقٍ واحد، وعلى رجلٍ واحد… أرام.

بعد أيام من الراحة في سدارا، وتجديد المؤن، وشراء الجلود، وجمع الأعشاب، وضمّ المحاربين الجديدين…

غادرت القافلة بوابة سدارا.

تركت خلفها ضجيج السوق،

وصوت المساومة،

ورائحة الأمان المؤقت.

وتقدّمت نحو الصحراء التي لا ترحم،

في طريقٍ لا يعد بالنجاة،

لكنّه يعد بتغيير المصير.

More Chapters