أخطر الأسلحة ليست ما يقتل… بل ما يجعل القتل يمرّ دون أن يُرى.)
في عمق الليل،
وقبل أن يشقّ سِيراف الظلام متجهًا إلى المغارة،
توقّف أمام أرام لحظةً،
كأن الريح نفسها طلبت منه أن يقول ما لم يُقل.
قال بصوتٍ منخفض، لكنه ثابت كحكمٍ قديم:
«البوق يا أرام…
لم يُستخدم في موضعه بعد.
هو سلاح ذو حدّين.
الوزير أخذ حصته منه…
لكن حصتك أنت ما تزال حبيسة داخله،
لم تُفصح عن نفسها.»
لم يتردد أرام.
ردّ بنبرة رجل حسم الطريق:
«سأدخل القصر…
وإن كان البوق هناك،
سأسترده.»
رفع سِيراف عينيه إليه،
وفي صوته شيء لا يقبل الجدل:
«يجب أن تصل إلى خزنة الملك…
قبل أن يضع رونين يده عليها.»
ثم أشار بعينيه إلى الصرّة الجلدية المعلّقة عند خاصرة أرام،
وقال:
«استخدمها.
هي أحد المفاتيح…
وليس كل مفتاح معدنًا.»
ورحل.
لم يلتفت.
كأن ما قيل كافٍ ليغيّر مصير مدينة.
بقي أرام واقفًا،
لا يتحرّك،
كأن الكلمات لم تُسمع بل سقطت عليه دفعة واحدة.
عاد إلى البيت الحجري.
اجتمع مع من بقي.
لم يكن هناك نقاش طويل.
الصمت كان أبلغ من أي اعتراض.
قال أخيرًا لـ نجّار:
«سأدخل القصر… مرةً أخرى.»
حذّره نجّار،
لكنّه كان يعرف تلك النبرة،
نبرة القرار الذي لا يعود.
وحين طلب مرافقته،
وضع أرام يده على كتفه وقال بهدوءٍ قاطع:
«ابقَ.
احمِ من هنا.
إن سقط هذا البيت…
سقط كل شيء.»
ثم طلب من:
نَباليان – غيدر – سِهام – سولان
أن يتبعوه إلى الغرفة المجاورة.
فرش أمتعته على الطاولة الحجرية:
الصُرّة،
الخاتم،
الأحجار،
الخنجر،
المنشور،
والعبوة الزجاجية.
شرح الخطة،
الخزنة،
كلمات سِيراف،
وما يجب أن يُنجز بسرعة ودقّة.
ثم أمسك الصرّة.
فتحها.
وما خرج…
لم يكن ما توقّعوه.
غبار.
ورماد أسود.
اندفع فجأة،
تطاير فوق الطاولة،
على الأيدي،
على الوجوه.
شهقوا.
تراجعوا خطوة.
وحين نظروا إلى بعضهم…
لم يرَ أحدٌ الآخر بوضوح.
الملامح كانت تتشوّه،
تتحرّك،
تتفكك،
كأن العين لا تستطيع الإمساك بالصورة.
فهم أرام أولًا.
قال بهدوءٍ غريب وسط الفوضى:
«إنه لا يُخفي…
إنه يُربك.»
لاحظوا الأمر سريعًا.
حين يحدّق أحدهم طويلًا في الآخر،
تبدأ الملامح بالظهور.
لكن مع الحركة…
يختفي الأثر.
قال أرام:
«إذن… لا نتوقّف.»
وهنا اتُّخذ القرار الأخير:
سولان يبقى مع نجّار،
دون علم أحد.
البيت محاصر.
والضجيج حوله يزداد.
وانطلق:
أرام – نَباليان – سِهام – غيدر
نحو القصر.
لم يشعر بهم أحد.
كانوا يمرّون بين الجنود
كأن الهواء نفسه يبتلعهم.
داخل القصر،
بدأ كلٌّ بدوره.
سِهام
تسلّلت بين الحرس،
سمعت،
راقبت،
وحفظت المسارات كما تُحفظ طرق الهروب.
غيدر
دخل غرفًا لم يُفترض به دخولها،
ورأى عِقار.
عرف أنه المسؤول عن تجهيز المقصلة.
قبض على غضبه،
وأجّل انتقامه.
عبث بالسلاسل،
بالبكرات،
وبالتوازن…
وجعل الموت يتأخر.
أما نَباليان
فكان مع أرام.
نزلا إلى السراديب القديمة،
حيث لا يذهب الحرس إلا نادرًا.
وهناك…
سخن الخاتم في إصبع أرام،
كأنه يشدّه نحو جهة بعينها.
توقّف.
نظر حوله.
في تجويفٍ صخري داخل الجدار،
خلف طلسمٍ قديم لا يُغلق بل يُوهم،
كان هناك شيء يعرفه قبل أن يراه.
البوق.
لم يكن معروضًا.
لم يكن محبوسًا.
كان موضوعًا كأنه نُسي…
لكن من يعرف،
يعلم أنه موضوع هناك عمدًا.
لم يكن محميًا بقفل،
بل بالكلمات والطلاسم،
وببعض الجن.
لمس أرام الجدار.
شعر الجن بوجوب الابتعاد.
أضاءت بعض الطلاسم بفعل الخاتم،
وتغيّر الوهم لحظة.
مدّ يده…
وأخذ البوق.
لم يصدر صوتًا.
لم يلمع.
كأن القصر نفسه لم يلحظ فقدانه.
بعدها نزلا إلى سراديب السجن.
وهناك…
رأيا ما لم يكن يجب أن يُرى.
رونين.
واقف أمام الملك.
ينزع مفتاح الخزنة من عنقه.
الملك يصرخ،
يتوعّد،
ورونين… يضحك.
«قريبًا…
المقصلة.»
في تلك اللحظة،
تغيّر الهواء.
الجني نَاهِر التفت.
لم يرَ أحدًا…
لكنّه شعر.
اقترب من رونين وهمس.
فأمر الوزير بتشديد الحراسة،
وتوجّه لفتح الخزنة.
تابعه أرام.
وقبل أن يقترب رونين من بابها،
سبق أرام الزمن.
خنجر.
لمسة واحدة.
تعطيل دقيق في موضع المفتاح.
حاول رونين…
فشل.
غضب.
وانسحب.
عاد الأربعة إلى نقطة اللقاء.
سِهام أنجزت مهمتها.
غيدر كذلك.
عادوا إلى البيت.
وهناك…
كانت المفاجأة.
جنود عند الباب.
قبل أن يتحرّك أحد،
بدأ الجنود يسقطون.
واحدًا…
تلو الآخر.
نجّار مذهول.
لا يرى شيئًا.
فقط جنود ينهارون دون أن يلمسهم أحد.
ثم سمع صوت أرام.
فهم.
أدرك ما حدث حين شرح له الأمر سريعًا.
دخلوا.
تلاشى الغبار.
ضحك سولان وهو يخرج من الظل، وقال:
«حقًا كما قلتُ…
كانوا يرصدون البيت،
لكنهم لم يرصدوا
من كان يقتلهم.»
وهكذا…
مرّت تلك الليلة،
وذلك اليوم،
بانتظار سِيراف ومن معه.
لكن الخبر…
كان أقرب
مما ظنّوا.
