Cherreads

Chapter 39 - البيت الذي لم يسقط

بعض البيوت لا تُبنى للحماية… بل لتكون آخر ما يقف حين ينهار كل شيء.)

مع أول خيطٍ من ضوء الصباح،

وقبل أن تستيقظ سبأ تمامًا من كوابيس ليلها،

كان البيت الحجري في أعلى الجبل قد بدأ يسمع ما لا يُطمئن.

خطوات.

ليست مترددة،

ولا عشوائية.

خطوات محسوبة،

تتحرك في دوائر،

تقترب ثم تتوقف،

كأنها تقيس أنفاس من في الداخل.

قفز أرام من موضعه،

وسيفه في يده قبل أن يكتمل وعيه.

جسده تحرك بغريزة المقاتل،

لا بسؤال ولا بتردد.

كان سولان عند النافذة الضيقة،

عيناه تراقبان الفضاء الرمادي،

وكانت سِهام عند النافذة الأخرى،

ثابتة كوترٍ مشدود،

أما كارِم فكان يضغط أصابعه على مقبض خنجره

كأن المعدن وحده يمنعه من الانقضاض.

همس سولان بصوتٍ بالكاد يُسمع:

«ليسوا عابرين…

هذا تطويق.»

ومن خلال الشقوق الحجرية،

رأوا الظلال تتحرك حول البيت.

جنود.

إنس…

وبينهم أشكال لا تمشي كبقية البشر،

حركتها أثقل،

ونظراتها لا تبحث بل تعرف.

اكتمل الحصار.

لم يكن البيت محصنًا،

ولا معدًّا لمعركة طويلة،

وكانوا جميعًا يعلمون الحقيقة القاسية:

إن بدأ القتال هنا،

فلن يكون لصالحهم.

ثم…

دوّى الطرق على الباب.

قويًّا.

مباشرًا.

لا يحمل تهديدًا،

بل إعلانًا.

رفع أرام يده إشارة للثبات،

وتقدّم بخطوات محسوبة،

وقلبه يتهيأ لأسوأ الاحتمالات:

هجوم،

خيانة،

أو نهاية سريعة.

وقبل أن تمتد يده إلى العارضة الخشبية…

جاء الصوت.

صوت يعرفه.

صوت ظنّه ضاع في ظلام الأخدود إلى الأبد.

«افتح يا أرام…

قبل أن نكسر الباب.»

تجمّد الزمن لثانية واحدة.

ثم فُتح الباب.

وكانت الصدمة.

تافار.

يقف بثيابه الممزقة،

وجهه شاحب،

لكن عيناه…

لم تنكسرا.

خلفه رجال.

وجوه مألوفة.

رجال الأخدود.

وحول البيت،

كانت جثث الجنود متناثرة.

سقوط صامت،

وحسم سريع،

لا صراخ فيه ولا استعراض.

لم يتكلم أرام.

اقترب خطوة واحدة فقط،

ثم شدّ تافار إليه بقوة،

كأن الجسد وحده قادر على تصديق ما تراه العين.

قال تافار وهو يلتقط أنفاسه:

«لن نموت هناك…

ليس قبل أن نُكمل.»

دخلوا.

أُغلق الباب.

وسقطت لحظة ثقيلة،

لحظة امتلأت بأشياء لم تُقل.

جلسوا.

وحكى تافار.

حكى كيف جاءه سِيراف في الزنزانة،

كيف ظنّ أن ذلك اللقاء هو إعلان النهاية،

ثم كيف كشف له الجني عن نفسه،

وعن ما فعله،

وعن العهد الذي لم يُكسر بعد.

حكى كيف أنقذه،

وكيف دلّه إلى الأخدود،

وكيف فتح له ممرًا لا تراه إلا أعين الجن،

وكيف عاد رجال الأخدود إلى الضوء

واحدًا تلو الآخر،

بينما القصر يشتعل بالفوضى.

قال وهو يشير بيده:

«الهروب أشعل القصر.

رونين فقد السيطرة.

سخّر الجنود،

ونشر البحث في كل مكان.»

ثم صمت لحظة،

كأن الكلمة التالية أثقل من أن تُقال،

وأضاف:

«وغيّر الخطة.»

رفع أرام رأسه فورًا.

عيناه ضيقتان،

وعقله يسبق السؤال.

«لن ينتظر القافلة،»

قال تافار،

«سيُعدم الملك…

قريبًا.»

ساد الصمت.

لم يكن خبرًا يُردّ عليه.

كان ضربة تُمتصّ أولًا.

سأل أرام بعد لحظة:

«وسِيراف؟»

أجاب تافار:

«قال إنه سيعود بالأخبار.»

ولم يطل الانتظار.

ظهر سِيراف كما يظهر الظل حين يُستدعى،

أكد كل شيء:

الإعدام قريب.

قبل الوريث.

قبل أن يفشل المخطط.

هنا…

تحركت العقول.

قال كارِم، وعيناه تلمعان:

«لو امتلكتُ الملح الأبيض…

أستطيع أن أصنع نارًا

تُربك القصر كله.»

وأضاف ريحان:

«وأنا…

لو حصلتُ على الرمال المناسبة،

أستطيع أن أخفي جيشًا كاملًا.»

نظروا إلى أكياسهم.

لا شيء يكفي.

لا وقت للتجريب.

قال تافار بأسفٍ ثقيل:

«المغارة…

كل ما نحتاجه هناك.

لكنها تحتاج وقتًا…

وقتًا لا نملكه.»

تنفّس سِيراف ببطء،

ثم قال جملة واحدة

قلبت الموازين:

«وإن أعطيتكم الوقت؟»

التفتت العيون إليه دفعة واحدة.

«أستطيع أن أحمل ثلاثة…

إلى أي مكان.

وأعيدهم

قبل أن يشعر أحد بغيابهم.»

فهم أرام فورًا.

لم يحتج إلى نقاش.

لم يحتج إلى تصويت.

قال الأسماء بلا تردد:

كارِم.

تافار.

ريحان.

إلى المغارة.

عندها تقدّمت مارانا،

وصوتها ثابت رغم الخوف:

«أريد أخي معي…

لا أريده بعيدًا إن سقطنا.»

وافق أرام،

وأعاد المفتاح الخشبي للمغارة إلى تافار

وهو يبتسم ابتسامة قصيرة موجعة:

«تلك أمانتك.»

وافق سِيراف.

اتُّفق أن يخرجوا ليلًا،

وأن يعودوا قبل الفجر التالي.

بقي أرام مع البقية.

وقف عند النافذة،

نظر إلى القصر البعيد،

الذي بدا من علٍ

كوحشٍ ينتظر فريسته.

قال بهدوءٍ صارم:

«لدينا جبل…

ولدينا رؤية…

وسنحوّل هذا المكان

إلى ساحة لنا.»

وبدأ يرسم الخطة.

يوزّع الأدوار.

يحسب المسافات.

يعدّ الأنفاس.

وفي قلبه،

كان يعلم يقينًا:

الغد…

لن يكون لِـ سبأ وحدها.

More Chapters