Cherreads

Chapter 4 - طريقٌ تتناقص فيه الخطوات

 ليست كل الطرق تُقاس بطولها… بعضُها يُقاس بعدد الذين يسقطون دون أن يشتكوا .

خرج آرام بن شدّاد برجاله من أطراف جبل كردون مع أول امتدادٍ للضوء، حين كان الضباب لا يزال متعلّقًا بين الصخور كأن الجبل يتردّد في كشف وجهه لهم.

كان وَبّار يتقدّم بخطى ثابتة، يعرف هذا الطريق كما يعرف رائحة صاحبه، وخلفه عشرة رجال يوزّعون أنفاسهم بين الصعود والحديث، بين التعب والذكريات.

في الساعات الأولى، كانت الرحلة تشبه أي رحلة صيد طويلة.

تبادلوا النكات، وتحدّث ساروب عن شجار قديم في القبيلة، وضحكوا، حتى آرام خفّف من وقاره وقال:

«لو كنتم تقاتلون كما تتشاجرون… لما بقي خصم حي.»

ضحكوا أكثر.

لم يكن أحد منهم يعلم أن الضحكة تُحسب أحيانًا من العمر.

حين اشتدّ النهار، نزلوا إلى ظلّ شجرة عتيقة عند حافة وادٍ ضيّق.

أشعلوا نارًا صغيرة، جلسوا في دائرة، وبدأ ساروب يوزّع الطعام.

كان آرام بينهم، لا فوقهم، يراقب الوجوه، يلاحظ التعب في الأكتاف، ويقدّر الصمت الذي بدأ يتسلّل.

لكن شيئًا غير مرئي تغيّر.

حركة خفيفة عند أعلى السفح شدّت انتباهه.

نهض ببطء، شدّ قوسه، وقال بهدوء الصيّاد:

«غزال…»

وقبل أن يطلق السهم، سمع صوت ارتطامٍ خلفه.

استدار.

كان ساروب يتمايل، كأن الأرض تحته صارت ماءً.

سقط على ركبتيه، ثم على جانبه.

ركض آرام نحوه، أمسك رأسه، ناداه باسمه، لكن الزبد الأبيض الذي خرج من فمه كان أسرع من أي نداء.

صرخ آرام:

«لا أحد يأكل!»

تجمّد الرجال.

فتح آرام كيس الطعام، شمّه، وارتعشت أنفاسه.

قال بصوت منخفض، كأن الألم خجل من أن يُسمع:

«سُمّ… لم يكن لنا جميعًا. كان ينتظرني.»

لم يتكلم أحد.

حتى النار خفَتَت.

بحسب عادات آل تمران، لم يُترك الجسد وحده.

غُسلت يدا ساروب بالماء، ووضِع سيفه على صدره، ولفّوه بعباءته.

حفروا قبره تحت الشجرة نفسها.

كل رجل وضع حجرًا فوق الجسد، علامة أن الميت ليس مهجورًا.

وقف آرام عند القبر، صامتًا طويلًا، ثم قال:

«خرجتَ معنا لتعود… لا لتُدفن هنا. لكن اسمك سيبقى معنا إلى النهاية.»

حين ابتعدوا، استدعى آرامنجّار جانبًا.

لم يكن القرار سهلًا، وكان صوته أثقل من الجبل.

«ارجع إلى القبيلة.

راقب.

أخبرهم أن الطريق لم يعد آمنًا.

هناك من تحرّك قبلنا.»

لم يعترض نجّار.

شدّ قبضته على صدره، وانحنى، ثم عاد أدراجه.

ومنذ تلك اللحظة، شعر الرجال أن عددهم نقص قبل أن يموت أحد آخر.

في الليل، لم ينم أحد بعمق.

جلسوا حول نار صغيرة، يتبادلون النظرات أكثر من الكلام.

قال أحدهم بصوت خافت:

«إن كان السم لنا… فالسهم آتٍ.»

لم يردّ آرام.

كان ينظر إلى الظلام كما لو أنه ينتظر أن يخرج منه شيء ينطق.

حين حلّ السكون، أصرّ يارين أن ينام مكان القائد.

قال:

«السهم الذي أخطأك اليوم… لن يُخطئ غدًا.»

حاول آرام رفض الأمر، لكن في عيني الرجل إصرارًا لا يُكسر.

تركه.

وقبل الفجر، اخترق الصمت صوت حادّ.

سهم.

ركضوا.

وجدوا يارين ممددًا، السهم في عنقه، ويده لا تزال ممسكة بعباءة القائد.

جلس آرام عند رأسه، حاول إيقاف النزيف، لكن الرجل همس:

«هكذا… أفضل.»

ومات.

دفنوه مع أول ضوء، دون كلمات.

كُسرت قطعة من رمحه، ووضِعت معه في القبر، كما تقضي تقاليدهم:

السلاح لا يُعاد إذا سقط صاحبه في حماية القائد.

تابعوا المسير.

صار الطريق أضيق، والصخور أعلى، والغابة أكثر كثافة.

بدأ التعب يظهر في العيون.

وفي ممرّ صخري، انحدرت صخرة ضخمة دون إنذار.

سُحق هامور تحتها.

حاولوا رفعها.

لم تتحرّك.

جلس آرام قرب الحجر، وضع كفّه عليه، وقال:

«حتى الجبل… صار خصمًا.»

تركوا علامة حجريّة، ومضوا بصمت أثقل من الصراخ.

لم تعد الأحاديث تُقال.

صار الرجال يمشون وهم ينظرون إلى أقدامهم، وكأنهم يخشون أن ينظروا إلى الأمام فيروا دورهم.

عند عبور منحدر مكشوف، انطلقت سهام من الظل.

ردّوا، لكن سهمًا استقرّ في صدر نوسر.

جلس آرام عند رأسه.

قال:

«سامحني.»

ابتسم نوسر، وقال:

«لم تخذلنا… يوم اخترناك قائدًا.»

وأغمض عينيه.

غُرس سيفه قائمًا عند قبره، ليعرف الجبل أن رجلًا سقط هنا واقفًا.

استمرّوا.

لم يبقَ إلا القليل من الطعام، والقليل من الكلام، والكثير من الصبر.

قال آرام بهدوءٍ لم يعرفوه من قبل :

«العودة الآن… تنقذ من بقي.»

أجاب أحدهم :

«العودة الآن… موت أطول ، لقد اخترنا السير معك .»

لم يتحرّك أحد.

وقفوا طويلًا.

ثم واصلوا.

حين ظهرت المغارة أخيرًا في صدر الجبل، سوداء كفم قدرٍ مفتوح، لم يهلّل أحد.

وقف الرجال خلف آرام.

لم يسألوا لماذا ماتوا.

لم يسألوا من التالي.

كانوا يعرفون شيئًا واحدًا فقط:

القائد هو الطريق.

وإن توقّف… توقّفوا معه.

تقدّم آرام خطوة.

وخلفه الجبل مليء بالأسماء،

وأمامه مصير لا يعرف الرحمة.

لكن قدميه لم تتوقفا.

لأن من خرج في هذا الطريق…

لم يخرج ليعود كما كان.

More Chapters