Cherreads

Chapter 13 - الفصل الثالث عشر : عجوز غريب

غادر كايت المستودع دون أن يقول كلمة أخرى.

خطواته تلاشت في الممر الحجري الطويل… ولم يعد بعدها.

ساد صمت ثقيل داخل المكان، صمت كأنه يضغط على الصدر ويجعل التنفس أصعب.

بقي ويليام معلقًا لبعض الوقت، جسده المتعب يتأرجح قليلًا مع كل نفس.

ثم فُتح الباب فجأة.

دخل أحد الأتباع دون أن ينظر إليه كثيرًا. اقترب بسرعة، أمسك رأس ويليام بقسوة، ثم ربط قطعة قماش سميكة حول عينيه حتى غرق كل شيء في ظلام كامل.

لم يقل كلمة.

بعدها فكّ السلاسل عن الكرسي، أمسكه من ذراعه وسحبه بعنف خارج الغرفة.

تعثرت خطوات ويليام عدة مرات.

قدماه كانتا ضعيفتين، وجسده بالكاد يقف، لكن التابع لم يهتم. استمر في دفعه وسحبه عبر الممرات الباردة.

بعد مدة قصيرة…

توقف.

دُفع ويليام بقوة إلى الأمام، فسقط على الأرض.

ثم سمع صوت خطوات تبتعد.

باب يُغلق.

وصمت.

لم يعد يسمع شيئًا.

بقي مستلقيًا على الأرض، عيناه معصوبتان ويداه ما زالتا مكبلتين خلف ظهره. حاول التحرك… لكن جسده لم يستجب كما أراد.

بدأ يزحف ببطء، محاولًا تحسس الأرض بكتفه أو ساقه، لكن القيود منعت يديه من مساعدته.

تنفس بصعوبة.

"هل… تركوني؟"

لم يكن يعرف.

الظلام خلف العصابة كان خانقًا، والألم الذي تراكم في جسده بدأ يعود ببطء.

حاول الوقوف مرة…

فسقط.

حاول مرة ثانية…

لكن ساقيه ارتجفتا.

استمر في الكفاح رغم ذلك.

زحف قليلًا… ثم توقف.

حاول الوقوف… فسقط مرة أخرى.

مرّت لحظات طويلة، أو ربما ساعات، لم يعد قادرًا على تقدير الوقت.

ومع كل محاولة كان جسده ينهار أكثر.

حتى… خارت قواه أخيرًا.

استسلم جسده، وسقط وعيه في الظلام.

استيقظ ببطء.

كان رأسه ثقيلاً، وكأن شيئًا يضغط عليه من الداخل.

فتح عينيه تدريجيًا…

هذه المرة كان يستطيع الرؤية.

اختفت العصابة.

لكن يديه… ما زالتا مكبلتين.

رمش عدة مرات محاولًا التركيز، ثم بدأ ينظر حوله بحذر شديد.

المكان لم يكن مستودعًا.

كان كوخًا صغيرًا.

جدرانه حجرية قديمة، خشنة وغير منتظمة، وكأنها بُنيت بسرعة دون عناية.

ضوء باهت تسلل من نافذة صغيرة مكسورة في أحد الجدران، ورسم خطوطًا طويلة من الغبار في الهواء.

على الأرض كانت هناك أكوام من الأواني القديمة المرمية بلا ترتيب، بعضها مكسور، وبعضها مغطى بطبقة سميكة من الغبار.

في الزاوية كان هناك طاولة خشبية صغيرة، مائلة قليلًا، وبجانبها كرسي متهالك.

لم يكن هناك أحد.

فقط الصمت.

جلس ويليام ببطء، ظهره ما زال يؤلمه من الجرح القديم، ويداه المكبلتان جعلت الحركة صعبة.

نظر حوله مرة أخرى، محاولًا إيجاد أي دليل على مكان وجوده.

لكن الشيء الوحيد الواضح…

هو أنه لم يعد في ذلك المستودع.

تنفس ببطء.

بقي ويليام جالسًا في مكانه، يراقب الكوخ بصمت حذر.

الغبار في الهواء كان يتحرك ببطء مع خيط الضوء القادم من النافذة الصغيرة، وصوت الريح خارج الجدران الحجرية كان خافتًا لكنه واضح في ذلك الصمت الطويل.

ثم…

صرير باب خشبي.

تجمّد جسد ويليام فورًا.

انفتح الباب ببطء، ودخل شخص لم يكن يتوقعه.

عجوز.

لكن كلمة عجوز لم تكن كافية لوصفه.

كان شعره أبيض ناصعًا، بلون الحليب تقريبًا، يتدلى حتى كتفيه.

ولحيته الكثيفة البيضاء تصل إلى منتصف صدره.

لكن جسده…

لم يكن جسد شيخ ضعيف.

كان عريض الكتفين، عضلات ذراعيه واضحة رغم الثياب البسيطة التي يرتديها، ووقفته مستقيمة وثابتة كأنها وقفة محارب قديم.

مزيج غريب.

وجه شيخ…

وجسد مقاتل.

تقدم خطوة داخل الكوخ وأغلق الباب خلفه.

ثم نظر إلى ويليام.

لم تكن نظرة عابرة.

كانت نظرة فاحصة… بطيئة… كأن الرجل يقرأ شيئًا أعمق من مجرد الجروح الظاهرة.

شعر ويليام بقشعريرة تزحف في عموده الفقري.

تكلم العجوز أخيرًا بصوت عميق وخشن قليلًا:

"أيها الفتى… هل أنت بخير؟"

توقف لحظة ثم أكمل:

"منظرك عندما وجدتك لم يكن سارًا… فما الذي حصل لك؟"

كان صوته هادئًا، لكنه يحمل ثقلًا غريبًا.

استفاق ويليام من شروده عندما سمع صوته.

رفع رأسه ببطء، ونظر إلى الرجل أمامه بعينين مرهقتين.

ثم قال بصوت مرتجف بسبب الألم والإرهاق:

"من… أنت…؟"

توقف لحظة يحاول التقاط أنفاسه.

"وأين… أنا؟"

لم يجب العجوز.

بل استمر في النظر إليه.

تغيرت نظرته قليلًا.

لم تكن غاضبة… لكنها كانت حادة بما يكفي ليشعر ويليام وكأن شيئًا باردًا يمر عبر جسده.

قال العجوز أخيرًا بنبرة منخفضة لكنها صارمة:

"يا فتى… لن أعيد سؤالي."

تقدم خطوة أخرى داخل الكوخ.

"أجب أولًا."

ثم أضاف ببطء:

"ولا تسأل… إلا عندما أسمح لك."

ساد الصمت.

لم يقل ويليام شيئًا.

ظل فقط ينظر إلى الرجل أمامه.

عيناه المرهقتان كانتا تحاولان قراءة هذا الشخص الغريب… بينما عقله يحاول فهم شيء واحد فقط.

هل هذا الرجل…

عدو جديد؟

أم…

شيء آخر؟

وفي تلك اللحظة…

مرّت فكرة غريبة داخل عقل ويليام.

خاطفة… لكنها واضحة.

كأنها ليست له.

"هذا الفتى… نجا من ذلك الجحيم… مثير للاهتمام."

اتسعت عينا ويليام قليلًا.

القدرة…

ما زالت تعمل.

لكن هذه المرة…

لم تكن أفكار كايت.

بل أفكار هذا العجوز.

رفع ويليام نظره ببطء نحوه مرة أخرى.

والآن…

لم يعد الصمت بينهما صمتًا عاديًا.

More Chapters